محمد بن جرير الطبري
84
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولما حييت بلاد فيروز ، واستوثق له الملك ، وأثخن في أعدائه وقهرهم ، وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث ، سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب اخشنوار ملك الهياطلة ، فلما بلغ اخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر ان رجلا من أصحاب اخشنوار بذل له نفسه ، وقال له : اقطع يدي ورجلي ، والقنى على طريق فيروز ، وأحسن إلى ولدى وعيالي - يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز - ففعل ذلك اخشنوار بذلك الرجل ، وألقاه على طريق فيروز ، فلما مر به انكر حاله وسأله عن امره ، فأخبره ان اخشنوار فعل ذلك به لأنه قال له : لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه ، وامر بحمله معه ، فاعلمه على وجه النصح منه له - فيما زعم - انه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد ، فاغتر فيروز بذلك منه ، وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع ، فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة ، فكلما شكوا عطشا اعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة ، حتى إذا بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر ، بين لهم امره ، فقال أصحاب فيروز لفيروز : قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر ، فاما الان فلا بد من المضي قدما حتى نوافى القوم على الحالات كلها فمضوا لوجوههم ، وقتل العطش أكثرهم ، وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم ، فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا اخشنوار إلى الصلح ، على أن يخلى سبيلهم ، حتى ينصرفوا إلى بلادهم ، على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه الا يغزوهم ولا يروم ارضهم ، ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم ، ويجعل بين مملكتها حدا لا يجوزه فرضى اخشنوار بذلك ، وكتب له به فيروز كتابا مختوما ، واشهد له على نفسه شهودا ، ثم خلى سبيله وانصرف . فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاوده اخشنوار ، فغزاه بعد ان نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك ، لما فيه من نقض العهد ، فلم يقبل منهم